البغدادي
387
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وهذا نص إمام الكوفيين الفراء في « تفسيره » : وإنما نصبت العرب إذ شدّدت نونها ، لأنّ أصلها إنّ ، زيدت على إنّ : لام وكاف ، فصارتا جميعا حرفا واحدا . ألا ترى أن الشاعر قال : ( الطويل ) * ولكنّني من حبّها لكميد « 1 » * فلم تدخل اللام ، إلّا أنّ معناها إنّ ، وهي فيما وصلت به من أولها بمنزلة قول الشاعر : لهنّك من عبسيّة لوسيمة * على هنوات كاذب من يقولها « 2 » وصل « إنّ » ها هنا بلام وهاء ، كما وصلها ثمّ بلام وكاف . والحرف قد يوصل من أوله وآخره . انتهى . ونسب ابن الأنباري في « مسائل الخلاف » هذا الكلام إلى الكوفيين ، وقال : أجاب البصريون عنه بأنه محمول على أنّ التقدير : ولكن إنني ، فحذفت الهمزة من « إنّ » تخفيفا فاجتمع أربع نونات ، فحذفوا نون لكن استثقالا لاجتماع الأمثال . ولو حمل على ما زعمتم ، فهو شاذ لا يكاد يعرف له نظير . ولو كان قياسا لكثر في الكلام كما في خبر إنّ . وأما قولهم إنّ الأصل إنّ ، ثم زيدت عليها اللام والكاف ، قلنا : لا نسلّم ، فإنه دعوى بلا دليل ، ولا نسلّم أيضا أنّ الهاء في لهنّك مع اللام زائدة ، وإنما هي مبدلة من ألف إنّ ، فإنّ الهاء تبدل من الهمزة ، ولهذا جاز أن يجمع بين اللام وبينها ، لتغيّر صورتها . وقد حكي عن أصحابكم فيه وجهان : أحدهما : قول الفراء ، وهو أن أصله : واللّه إنك ، فحذفت الهمزة من إنّك والواو وإحدى اللامين والألف ، فبقي لهنّك .
--> ( 1 ) في النسخة الشنقيطية : " لعميد " . وهما روايتان صحيحتان . وانفرد الفراء في معاني القرآن بهذه الرواية . وفي شرح أبيات المغني للبغدادي 4 / 357 : " لعميد " مروية عن الفراء . ( 2 ) سبق لنا تخريج البيت في الشاهد السابق .